حجـابي نجـاتي,
04-09-2008, 11:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين خالق الناس من ماء وطين، الحمد لله
العالم بالسر وأخفى المطلع على الضمائر والسرائر، سبحانه لا
يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يعلم خائنة الأعين
وما يخفي الصدور، والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم.
أخي الكريم أختي الكريمة
أن الله سبحانه وتعالى مطلع علينا يعلم أحوالنا ويشاهد أعمالنا، فلا يفوته شيء
ولا يعزب عن علمه شيئ كبيراً كان أو صغيراً.
لنعلم أن مراقبة الله عز وجل أصل عظيم من أصول العمل الصالح؛ فالواجب على
المؤمن أن يراقب الله عز وجل في كل حال, فهو سبحانه السميع البصير الذي لا
يخفى عليه شيء, يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة
الظلماء.
فعلى المسلم أن يستشعر مراقبة الله تعالى حتى يرتقي بها إلى درجة الإحسان.
يقول ربنا سبحانه وتعالى: ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ
مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ
مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [الحديد
(4) ].
ويقول تبارك وتعالى : ( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ
قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا
إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ
فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا
أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [يونس (61) ].
ويقول سبحانه وتعالى: ( يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ
اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ )
[النساء (108) ].
ويقول سبحانه : ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ
بِذَاتِ الصُّدُورِ, أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
الْخَبِيرُ) [الملك (13-14) ].
وأعظم مقام هو مقام الإحسان وقد بين هذا المقام العظيم نبينا وحبيبنا محمد صلى
الله عليه وسلم عندما في حديث عمر بن الخطاب بقوله : " الإحسان أن تعبد الله
كأ نك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " .
قال المحاسبي: "المراقبة دوام علم القلب بعلم الله عز وجل في السكون والحركة
علماً لازماً مقترناً بصفاء اليقين". الوصايا (313)
قال ابن القيم: "المراقبة دوام علم العبد، وتيقّنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى
على ظاهره وباطنه". مدارج السالكين (2/67).
قال مسروق بن الأجدع: "من راقب الله في خطرات قلبه؛ عصمه الله في حركات
جوارحه".
قال ابن المبارك لرجل: "راقب الله تعالى"؛ فسأله عن تفسيرها، فقال: "كن أبداً
كأنك ترى الله عز وجل" إحياء علوم الدين (4/297).
قال أبو حفص لأبي عثمان: "إذا جلست للناس فكن واعظاً لنفسك وقلبك، ولا يغرنك
اجتماعهم عليك، فإنهم يراقبون ظاهرك، والله يراقب باطنك" إحياء علوم الدين
(4/297)..
وقال ابن السّماك:
يا مدمن الذنب أما تستحي واللهُ في الخلـوة ثانيكـا
غـرك من ربـك إمهالـه وستره طول مساويكا
وقال أبو محمد الأندلسي:
وإذا ما خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعيـةٌ إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
وصدق القائل:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل سـاعـةً ولا أن ما تُخفي عليه يغيب
وقد وعد الله عباده المسلمين الذين يراقبونه في السراء والضراء بالفوز والفلاح
والنصر والتأييد والعقبى الحسنة في الدنيا والآخرة هؤلاء استشعروا ذلك من
قلوبهم استشعاراً تتجلى فيه متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له
أبو بكر وهما في الغار ، وقد لحق بهما طلب قريش : يا رسول الله لو أبصر أحدهم
موضع قدمه لأبصرنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما ظنك باثنين الله
ثالثهما ) .
فعلى المسلم أن يستشعر مراقبة الله عز وجل وقدرته وعظمته واطلاعه عليه
ومشاهدته لأعماله، عندما تنطق بقول ، عندما يفكر بأمر وعندما يهمس بكلمة
وعندما يخطو خطوة
يتذكر دائما قوه سبحانه وتعالى: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ,
الَّذِييَرَاكَ حِينَ تَقُومُ , وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) [الشعراء
(217-219) ].
قصص تبين ثمرة مراقبة الله عز وجل، واستشعار ذلك الأمر.
- قصة الراعي وابن عمر رضي الله عنه
قال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة فعرّسنا
في بعض الطريق، فانحدر عليه راعٍ من الجبل، فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه
الغنم، فقال: إني مملوك، فقال: قل لسيّدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله ؟ قال:
فبكى عمر، ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه، وأعتقه، وقال: أعتقتك في
الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تُعتقك في الآخرة.
- قصة مبارك ونوح بن مريم
كان مبارك عبداً يعمل عند سيده نوح بن مريم أرسله سيده إلى بساتين له وقال له
أحفظ ثمرها وكن على خدمتها إلى أن آتيك، وبعد مضي شهرين، جاءه سيده نوح في يوم
من الأيام، جلس تحت شجرة وقال يا مبارك، أتني بقطف من عنب, ذهب مبارك فجاءه
بقطف فإذا هو حامض.
فقال أتني بقطف آخر إن هذا حامض, فأتاه بآخر فإذا هو حامض.
قال أتني بآخر، فجاءه بالثالث فإذا هو حامض.
كاد أن يستولي عليه الغضب، وقال يا مبارك أطلب منك قطف عنب قد نضج، وتأتني
بقطف لم ينضج.
ألا تعرف حلوه من حامضة ؟
قال والله ما أرسلتني لأكله وإنما أرسلتني لأحفظه وأقوم على خدمته.
والذي لا إله إلا هو ما ذقت منه عنبة واحدة، والذي لا إله إلا هو ما راقبتك ،
ولا راقبت أحدا من الكائنات، ولكني راقبت الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا
في السماء، أعجب به سيده ، وأعجب بورعه وبدأ يفكر فقال له يا مبارك أريد أن
أستشيرك، والمؤمنون نصحة، والمنافقون غششة، والمستشار مؤتمن، وقد تقدم لابنتي
فلان وفلان من أصحاب الثراء والمال والجاه، فمن ترى أن أزوج هذه البنت ؟
فقال مبارك:
لقد كان أهل الجاهلية يزوجون للأصل والحسب والنسب، واليهود يزوجون للمال,
والنصارى للجمال.
وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يزوجون للدين والخلق.
وعلى عهدنا هذا للمال والجاه.
والمرء مع من أحب، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
نظر وتفكر فما وجد خيرا من مبارك، قال أنت حر لوجه الله (أعتقه أولا).
ثم قال لقد قلبت النظر فرأيت أنك خير من يتزوج بهذه البنت.
قال أعرض عليها.
فذهب وحكى لها قصة مبارك وعرض عليها الزواج منه وقال لها:
إني قلبت ونظرت وحصل كذا وكذا، ورأيت أن تتزوجي بمبارك.
قالت أترضاه لي ؟ قال نعم.
قالت فإني أرضاه مراقبة للذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
فكان الزواج المبارك من مبارك.
فما الثمرة وما النتيجة ؟
حملت هذه المرأة وولدت طفلا أسمياه عبد الله، لعل الكل يعرف هذا الرجل.
إنه عبد الله ابن المبارك العالم المحدث الرباني الزاهد العابد الصالح التقي
النقي الذي ما من إنسان قلب صفحة من كتب التاريخ إلا ووجده حيا بسيرته وذكره
الطيب.
إن ذلك ثمرة مراقبة الله عز وجل في كل شي.
فضل مراقبة الله وفائدتها:
1- سبب من أسباب دخول الجنة: قال تعالى: (هَلْ جَزَاء
ٱلإِحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإِحْسَـٰنُ) [الرحمن:60].
وقال عَزَّ من قائل: (بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ
مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ
يَحْزَنُونَ) [البقرة:112].
قال أبو السعود: "وحقيقة الإحسان الإتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه
الوصفي التابع لحُسْنِه الذاتي، وهو ما فسّره صلى الله عليه وسلم: ((أن تعبد
الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))؛ (فَلَهُ أَجْرُهُ) الذي وعده به
على عمله، وهو عبارة عن دخول الجنة أو عما يدخل فيه دخولاً أولياً" تفسير أبي
السعود (1/147)..
2- بها يكسب العبد رضا الله سبحانه وتعالى عنه:
قال تعالى: (رّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ
خَشِىَ رَبَّهُ) [البينة:8].
3- هي من أعظم البواعث على المسارعة إلى الطاعات:
قال الله تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا
ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) [الأنبياء:101].
قال القصري: "إذا عرف العبد مقام الإحسان، سارع إلى طاعته قدر وسعه، فهذا حال
المحب الذي يعبد الله كأنه يراه" .
4- بها يحصل العبد على معية الله وتأييده:
قال تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ
وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) [النحل:128].
قال ابن كثير: "أي معهم بتأييده ونصره ومعونته، وهذه معية خاصة" تفسير ابن
كثير (753)..
5- تعينه على ترك المعاصي والمنكرات:
قال ابن الجوزي: "فقلوب الجهال تستشعر البُعْد؛ ولذلك تقع منهم المعاصي، إذ لو
تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الأكُفَّ عن الخطايا، والمتيقظون علموا
قربه فحضرتهم المراقبة، وكفتهم عن الانبساط" صيد الخاطر (236)..
وقال ابن القيم: "فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي، فإن من عبد
الله كأنه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذِكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه،
بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلاً عن
مواقعتها" الجواب الكافي (70)..
6- من أفضل الطاعات وأعلاها:
قال ابن عطاء: "أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات".
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَأَحْسِنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ
يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ) [البقرة:195]: "ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في
سبيل الله في سائر وجوه القربات، ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال
الأعداء... في عطف بالأمر بالإحسان وهو أعلى مقامات الطاعة" تفسير ابن كثير
(152).
نتابع
الحمد لله رب العالمين خالق الناس من ماء وطين، الحمد لله
العالم بالسر وأخفى المطلع على الضمائر والسرائر، سبحانه لا
يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يعلم خائنة الأعين
وما يخفي الصدور، والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم.
أخي الكريم أختي الكريمة
أن الله سبحانه وتعالى مطلع علينا يعلم أحوالنا ويشاهد أعمالنا، فلا يفوته شيء
ولا يعزب عن علمه شيئ كبيراً كان أو صغيراً.
لنعلم أن مراقبة الله عز وجل أصل عظيم من أصول العمل الصالح؛ فالواجب على
المؤمن أن يراقب الله عز وجل في كل حال, فهو سبحانه السميع البصير الذي لا
يخفى عليه شيء, يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة
الظلماء.
فعلى المسلم أن يستشعر مراقبة الله تعالى حتى يرتقي بها إلى درجة الإحسان.
يقول ربنا سبحانه وتعالى: ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ
مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ
مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [الحديد
(4) ].
ويقول تبارك وتعالى : ( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ
قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا
إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ
فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا
أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [يونس (61) ].
ويقول سبحانه وتعالى: ( يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ
اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ )
[النساء (108) ].
ويقول سبحانه : ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ
بِذَاتِ الصُّدُورِ, أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
الْخَبِيرُ) [الملك (13-14) ].
وأعظم مقام هو مقام الإحسان وقد بين هذا المقام العظيم نبينا وحبيبنا محمد صلى
الله عليه وسلم عندما في حديث عمر بن الخطاب بقوله : " الإحسان أن تعبد الله
كأ نك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " .
قال المحاسبي: "المراقبة دوام علم القلب بعلم الله عز وجل في السكون والحركة
علماً لازماً مقترناً بصفاء اليقين". الوصايا (313)
قال ابن القيم: "المراقبة دوام علم العبد، وتيقّنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى
على ظاهره وباطنه". مدارج السالكين (2/67).
قال مسروق بن الأجدع: "من راقب الله في خطرات قلبه؛ عصمه الله في حركات
جوارحه".
قال ابن المبارك لرجل: "راقب الله تعالى"؛ فسأله عن تفسيرها، فقال: "كن أبداً
كأنك ترى الله عز وجل" إحياء علوم الدين (4/297).
قال أبو حفص لأبي عثمان: "إذا جلست للناس فكن واعظاً لنفسك وقلبك، ولا يغرنك
اجتماعهم عليك، فإنهم يراقبون ظاهرك، والله يراقب باطنك" إحياء علوم الدين
(4/297)..
وقال ابن السّماك:
يا مدمن الذنب أما تستحي واللهُ في الخلـوة ثانيكـا
غـرك من ربـك إمهالـه وستره طول مساويكا
وقال أبو محمد الأندلسي:
وإذا ما خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعيـةٌ إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
وصدق القائل:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل سـاعـةً ولا أن ما تُخفي عليه يغيب
وقد وعد الله عباده المسلمين الذين يراقبونه في السراء والضراء بالفوز والفلاح
والنصر والتأييد والعقبى الحسنة في الدنيا والآخرة هؤلاء استشعروا ذلك من
قلوبهم استشعاراً تتجلى فيه متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له
أبو بكر وهما في الغار ، وقد لحق بهما طلب قريش : يا رسول الله لو أبصر أحدهم
موضع قدمه لأبصرنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما ظنك باثنين الله
ثالثهما ) .
فعلى المسلم أن يستشعر مراقبة الله عز وجل وقدرته وعظمته واطلاعه عليه
ومشاهدته لأعماله، عندما تنطق بقول ، عندما يفكر بأمر وعندما يهمس بكلمة
وعندما يخطو خطوة
يتذكر دائما قوه سبحانه وتعالى: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ,
الَّذِييَرَاكَ حِينَ تَقُومُ , وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) [الشعراء
(217-219) ].
قصص تبين ثمرة مراقبة الله عز وجل، واستشعار ذلك الأمر.
- قصة الراعي وابن عمر رضي الله عنه
قال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة فعرّسنا
في بعض الطريق، فانحدر عليه راعٍ من الجبل، فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه
الغنم، فقال: إني مملوك، فقال: قل لسيّدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله ؟ قال:
فبكى عمر، ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه، وأعتقه، وقال: أعتقتك في
الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تُعتقك في الآخرة.
- قصة مبارك ونوح بن مريم
كان مبارك عبداً يعمل عند سيده نوح بن مريم أرسله سيده إلى بساتين له وقال له
أحفظ ثمرها وكن على خدمتها إلى أن آتيك، وبعد مضي شهرين، جاءه سيده نوح في يوم
من الأيام، جلس تحت شجرة وقال يا مبارك، أتني بقطف من عنب, ذهب مبارك فجاءه
بقطف فإذا هو حامض.
فقال أتني بقطف آخر إن هذا حامض, فأتاه بآخر فإذا هو حامض.
قال أتني بآخر، فجاءه بالثالث فإذا هو حامض.
كاد أن يستولي عليه الغضب، وقال يا مبارك أطلب منك قطف عنب قد نضج، وتأتني
بقطف لم ينضج.
ألا تعرف حلوه من حامضة ؟
قال والله ما أرسلتني لأكله وإنما أرسلتني لأحفظه وأقوم على خدمته.
والذي لا إله إلا هو ما ذقت منه عنبة واحدة، والذي لا إله إلا هو ما راقبتك ،
ولا راقبت أحدا من الكائنات، ولكني راقبت الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا
في السماء، أعجب به سيده ، وأعجب بورعه وبدأ يفكر فقال له يا مبارك أريد أن
أستشيرك، والمؤمنون نصحة، والمنافقون غششة، والمستشار مؤتمن، وقد تقدم لابنتي
فلان وفلان من أصحاب الثراء والمال والجاه، فمن ترى أن أزوج هذه البنت ؟
فقال مبارك:
لقد كان أهل الجاهلية يزوجون للأصل والحسب والنسب، واليهود يزوجون للمال,
والنصارى للجمال.
وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يزوجون للدين والخلق.
وعلى عهدنا هذا للمال والجاه.
والمرء مع من أحب، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
نظر وتفكر فما وجد خيرا من مبارك، قال أنت حر لوجه الله (أعتقه أولا).
ثم قال لقد قلبت النظر فرأيت أنك خير من يتزوج بهذه البنت.
قال أعرض عليها.
فذهب وحكى لها قصة مبارك وعرض عليها الزواج منه وقال لها:
إني قلبت ونظرت وحصل كذا وكذا، ورأيت أن تتزوجي بمبارك.
قالت أترضاه لي ؟ قال نعم.
قالت فإني أرضاه مراقبة للذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
فكان الزواج المبارك من مبارك.
فما الثمرة وما النتيجة ؟
حملت هذه المرأة وولدت طفلا أسمياه عبد الله، لعل الكل يعرف هذا الرجل.
إنه عبد الله ابن المبارك العالم المحدث الرباني الزاهد العابد الصالح التقي
النقي الذي ما من إنسان قلب صفحة من كتب التاريخ إلا ووجده حيا بسيرته وذكره
الطيب.
إن ذلك ثمرة مراقبة الله عز وجل في كل شي.
فضل مراقبة الله وفائدتها:
1- سبب من أسباب دخول الجنة: قال تعالى: (هَلْ جَزَاء
ٱلإِحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإِحْسَـٰنُ) [الرحمن:60].
وقال عَزَّ من قائل: (بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ
مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ
يَحْزَنُونَ) [البقرة:112].
قال أبو السعود: "وحقيقة الإحسان الإتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه
الوصفي التابع لحُسْنِه الذاتي، وهو ما فسّره صلى الله عليه وسلم: ((أن تعبد
الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))؛ (فَلَهُ أَجْرُهُ) الذي وعده به
على عمله، وهو عبارة عن دخول الجنة أو عما يدخل فيه دخولاً أولياً" تفسير أبي
السعود (1/147)..
2- بها يكسب العبد رضا الله سبحانه وتعالى عنه:
قال تعالى: (رّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ
خَشِىَ رَبَّهُ) [البينة:8].
3- هي من أعظم البواعث على المسارعة إلى الطاعات:
قال الله تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا
ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) [الأنبياء:101].
قال القصري: "إذا عرف العبد مقام الإحسان، سارع إلى طاعته قدر وسعه، فهذا حال
المحب الذي يعبد الله كأنه يراه" .
4- بها يحصل العبد على معية الله وتأييده:
قال تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ
وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) [النحل:128].
قال ابن كثير: "أي معهم بتأييده ونصره ومعونته، وهذه معية خاصة" تفسير ابن
كثير (753)..
5- تعينه على ترك المعاصي والمنكرات:
قال ابن الجوزي: "فقلوب الجهال تستشعر البُعْد؛ ولذلك تقع منهم المعاصي، إذ لو
تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الأكُفَّ عن الخطايا، والمتيقظون علموا
قربه فحضرتهم المراقبة، وكفتهم عن الانبساط" صيد الخاطر (236)..
وقال ابن القيم: "فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي، فإن من عبد
الله كأنه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذِكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه،
بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلاً عن
مواقعتها" الجواب الكافي (70)..
6- من أفضل الطاعات وأعلاها:
قال ابن عطاء: "أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات".
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَأَحْسِنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ
يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ) [البقرة:195]: "ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في
سبيل الله في سائر وجوه القربات، ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال
الأعداء... في عطف بالأمر بالإحسان وهو أعلى مقامات الطاعة" تفسير ابن كثير
(152).
نتابع